جعل الله كتابه العزيز موطنًا للبركة في كل ما يتصل به؛ بركةً تمتد إلى القلب والعقل والسلوك والحياة كلها، فلا يمسّ القرآن شيئًا إلا زانه، ولا يصحب عبدًا بصدقٍ إلا غيّره إلى خير.

وهذه البركة تتجلّى في وجوهٍ متعددة، وكلما ازداد العبد صلةً بالقرآن ازداد نصيبُه منها.

فبركته في قراءته؛ إذ تُكتب الحسنات، وتطمئن القلوب، وتنجلي الوحشة.
وبركته في الإنصات لآياته؛ إذ تلين القلوب، وتنزل السكينة، وتغشى المؤمنين الرحمة.
وبركته في تعلّمه وتعليمه؛ فهو أشرف العلوم وأبقاها أثرًا، يرفع الله به الدرجات، ويجعل صاحبه من خير الناس.

وبركته في العمل به واتباعه؛ فهو نورٌ يهدي إلى أقوم السبل، ويُصلح الأخلاق، ويُبارك في القرارات والخطوات.
وبركته في تدبّره؛ فمن وقف مع آياته بقلبٍ حاضر، انكشفت له معاني الهداية، وأبصر مواضع التقصير، واستقام طريقه إلى الله.

وبركته في الاستشفاء به؛ فهو شفاءٌ لما في الصدور من الشبهات والشهوات، وسكينةٌ تُخفّف أثقال النفس وهمومها.
وبركته كذلك في التحاكم إلى هديه وحكمه؛ إذ لا عدل أعدل من حكم الله، ولا صلاح للفرد والمجتمع إلا باتباع منهجه.

وليس أعظم مظاهر بركة القرآن أن يزداد المرء علمًا فحسب، بل أن يزداد إيمانًا، وخشيةً، وطمأنينةً، وحسنَ خُلُق، واستقامةً في السر والعلن. فالقرآن لا يغيّر الألسنة التي تتلوه فقط، بل يغيّر القلوب التي تتلقّاه، والحياة التي تُقيمه.

ولهذا وصفه الله بقوله: ﴿ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأنعام: 155]

فكلما قويت صلتك بالقرآن تلاوةً، وحفظًا، وتدبّرًا، وعملًا، وتعليمًا، اتسع نصيبك من بركته، وظهرت آثارها في قلبك، ووقتك، ورزقك، وأهلك، ومسيرك إلى الله. فالبركة ليست أمرًا يُرى بالعين دائمًا، وإنما تُعرف بفيض الخير، وثبات الطاعة، وطمأنينة القلب، وحسن العاقبة.

Post a comment

Your email address will not be published.

مقالات ذات صلة